09 أكتوبر 2026 | 28 ربيع الثاني 1448
A+ A- A
خطبة الجمعة المذاعة والموزعة بتاريخ 28 من ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 9/10/2026م

خطبة الجمعة المذاعة والموزعة بتاريخ 28 من ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 9/10/2026م

09 أكتوبر 2026

خطبة الجمعة المذاعة والموزعة

بتاريخ 28 من ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 9/10/2026م

مِيزَانُ الْوَسَطِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَجَعَلَ أُمَّتَنَا أُمَّةً وَسَطًا، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

 مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ وَكَمَالِهِ أَنَّهُ دِينُ وَسَطِيَّةٍ وَاعْتِدَالٍ، لَا غُلُوَّ فِيهِ وَلَا جَفَاءَ، وَلَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ؛ بَلْ هُوَ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُنْحَرِفَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، فَالْوَسَطِيَّةُ تَعْنِي التَّوَازُنَ بَيْنَ الْأُمُورِ الْمُتَقَابِلَةِ، وَالتَّوَسُّطَ بَيْنَ الْأَطْرَافِ الْمُتَبَاعِدَةِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ، وَلِهَذَا جَاءَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْغُلُوِّ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77]،  وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْغَتَانِ: إِمَّا تَقْصِيرٌ وَتَفْرِيطٌ، وَإِمَّا إِفْرَاطٌ وَغُلُوٌّ، فَلَا يُبَالِي بِمَا ظَفِرَ مِنَ الْعَبْدِ مِنَ الْخَطِيئَتَيْنِ).

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مَظَاهِرَ الْوَسَطِيَّةِ فِي شَرِيعَتِنَا كَثِيرَةٌ: فَمِنْ ذَلِكَ الْوَسَطِيَّةُ فِي الِاعْتِقَادِ: فَالْعَقِيدَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ جَاءَتْ مُوَافِقَةً لِلْفِطْرَةِ، مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْغَالِينَ وَالْجَافِينَ، فَلَا غُلُوَّ فِي الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى، وَلَا تَطَرُّفَ كَمَا هِيَ عَقِيدَةُ الْيَهُودِ الَّتِي عَصَتِ الْأَنْبِيَاءَ وَتَمَرَّدَتْ عَلَيْهِمْ، بَلْ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ مَلَامِحِ الْوَسَطِيَّةِ فِي الِاعْتِقَادِ: الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَتَوْقِيرُهُمْ وَعَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [البقرة: 285].

أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ: وَمِنْ مَظَاهِرِ الْوَسَطِيَّةِ فِي شَرِيعَتِنَا: الْقَصْدُ فِي الْعِبَادَاتِ فَهِيَ مُعْتَدِلَةٌ بَيْنَ التَّشْدِيدِ وَالتَّفْرِيطِ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؛ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَالْأَحَادِيثُ الْمُوَافِقَةُ لِهَذَا كَثِيرَةٌ فِي بَيَانِ أَنَّ سُنَّتَهُ الَّتِي هِيَ الِاقْتِصَادُ: فِي الْعِبَادَةِ، وَفِي تَرْكِ الشَّهَوَاتِ؛ خَيْرٌ مِنْ رَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى، الَّتِي هِيَ: تَرْكُ عَامَّةِ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَالْغُلُوُّ فِي الْعِبَادَاتِ صَوْمًا وَصَلَاةً).

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنْ مَظَاهِرِ الْوَسَطِيَّةِ فِي شَرِيعَتِنَا: الِاعْتِدَالُ فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَقَدْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِالتَّوَسُّطِ فِي شَأْنِ الزَّوَاجِ وَالطَّلَاقِ مُرَاعِيَةً بِذَلِكَ الْفِطْرَةَ الْبَشَرِيَّةَ، فَوَازَنَتْ بَيْنَ مُتَطَلَّبَاتِ الْأَرْوَاحِ وَحَاجَاتِ الْأَجْسَادِ، فَلَا عُزُوفَ عَنِ الزَّوَاجِ كَمَا هِيَ رَهْبَانِيَّةُ النَّصَارَى، وَرُبَّمَا حَرَّمَتْ بَعْضُ طَوَائِفِهِمُ الطَّلَاقَ، مِمَّا يُوقِعُ النَّاسَ فِي الْحَرَجِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38].

وَمِنْ وَسَطِيَّةِ شَرِيعَتِنَا: التَّوَازُنُ تِجَاهَ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ، فَدَعَتِ الْمَرْءَ إِلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ وَالْعَمَلِ الْحَلَالِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَمْرُو، نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. فَجَاءَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَسَطًا بَيْنَ رَهْبَانِيَّةٍ طَغَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَاعْتَبَرَتِ الْمَالَ سَبَبًا لِلشَّقَاءِ وَالْبُعْدِ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَآثَرُوا الْفَقْرَ وَالتَّقَشُّفَ، وَحَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلْوَانَ الْمَتَاعِ، {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } [الحديد: 27].

وَبَيْنَ مَادِّيَّةٍ نَزَلَتْ إِلَى مُسْتَوَى الْبَهِيمِيَّةِ، وَاعْتَبَرَتْ جَمْعَ الْمَالِ هَدَفَ الْحَيَاةِ، وَلَمْ تُبَالِ بِمَصْدَرِهِ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ عُبَّادُ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ].

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ فِي ذُرِّيَّاتِكُمْ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [الطلاق: 2، 3].

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مُصْطَلَحَ الْوَسَطِيَّةِ ذَرِيعَةٌ لِتَجْرِيدِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ دَلَالَاتِهَا، وَصَرْفِهَا عَنْ مَعَانِيهَا، حَتَّى غَدَتِ الْوَسَطِيَّةُ عِنْدَهُمْ مُبَرِّرًا لِلتَّسَاهُلِ فِي الثَّوَابِتِ، وَالتَّنَازُلِ عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الدِّينِ؛ مَعَ أَنَّ الْوَسَطِيَّةَ الْحَقَّةَ لَيْسَتْ تَمْيِيعًا وَلَا تَفْرِيطًا، وَإِنَّمَا هِيَ لُزُومُ الْحَقِّ بِلَا غُلُوٍّ وَلَا جَفَاءٍ، وَاتِّبَاعُ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَقْصِيرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112]. فَالْوَسَطِيَّةُ اعْتِدَالٌ فِي الْفَهْمِ وَالسُّلُوكِ، قَائِمٌ عَلَى أَنْوَارِ الْوَحْيِ، فَلَمْ تَكُنِ يَوْمًا مِنْ دَهْرِهَا تَقَارُبًا بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالدِّيَانَاتِ الْمُحَرَّفَةِ، وَلَا تَسْوِيَةً بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا تَنَازُلًا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَثَوَابِتِهِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنْ مِيزَانِ الْوَسَطِيَّةِ فِي شَرِيعَتِنَا: التَّعَامُلِ مَعَ الْمُخَالِفِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ؛ فَلَا تَحْمِلُنَا مُخَالَفَتُهُ عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا مَحَبَّتُنَا لَهُ عَلَى مُجَامَلَتِهِ فِي الْبَاطِلِ، فَالْعَدْلُ مَطْلَبٌ مَرْعيٌّ مَعَ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ، قَالَ تَعَالَى: { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، فَالْوَسَطِيَّةُ هُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَتَى يَسُوغُ الْإِنْكَارُ وَمَتَى يَمْتَنِعُ، وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ لِمَنْ يَنْقُضُ مِيثَاقَ الْأُخُوَّةِ الَّذِي عَقَدَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] فِي مَسَائِلَ يَسُوغُ فِيهَا الِاخْتِلَافُ وَيَجْرِي فِيهَا قَلَمُ الِاجْتِهَادِ، فَلَا نَجْعَلْ كُلَّ خِلَافٍ انْحِرَافًا، وَلَا كُلَّ مُخَالِفٍ مُبْتَدِعًا، كَمَا لَا نَجْعَلُ الْخِلَافَ ذَرِيعَةً إِلَى إِسْقَاطِ الْحَقِّ أَوْ تَمْيِيعِ الْأَحْكَامِ.

وَمِنَ الْوَسَطِيَّةِ كَذَلِكَ أَنْ نُحْسِنَ عَرْضَ الْحَقِّ، وَنَلْتَزِمَ الْأَدَبَ فِي الرَّدِّ، وَنَحْفَظَ لِلْمُخَالِفِ قَدْرَهُ فِيمَا أَصَابَ فِيهِ، وَلَا يَمْنَعَنَا خَطَؤُهُ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِفَضْلِهِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى؛ فَالْإِنْصَافُ مِنْ شِيَمِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمُرُوءَاتِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى صَاحِبِ الْوَجْهِ الْأَنْوَر، وَالْجَبِينِ الأَزْهَرِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْغُرَرِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِمْ إلَى يَوْمِ الْمَحْشَرِ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا ذُرِّيَّاتِنَا، وَاحْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا، وَارْزُقْنَا الْحِكْمَةَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، رَبَّنَا ارْفَعْ عَنَّا الْبَلَاءَ وَالْوَبَاءَ، وَالضَّرَّاءَ وَالْبَأْسَاءَ، اللَّهُمَّ احْفَظِ الْكُوَيْتَ وَأَهْلَهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ إِخْوَتَنَا مِنَ الْمُرَابِطِينَ وَقُوَى الْأَمْنِ وَالدِّفَاعِ وَالْحَرَسِ الْوَطَنِيِّ وَالإِطْفَاءِ وَجَمِيعَ الْقَائِمِينَ عَلَى أَمْنِ الْبِلَادِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة

معرض الصور

القائمة البريدية

انضم للقائمة البريدية للموقع ليصلك كل جديد

جميع الحقوق محفوظه لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت